أخبار كرة القدم العالمية
·01/06/2026

عندما قبل كارلو أنشيلوتي فرصة تولي منصب المدير الفني لمنتخب البرازيل في مايو 2025، دخل بيئة جديدة تماماً. ورغم أنه عمل إلى جانب عشرات اللاعبين البرازيليين طوال مسيرته التدريبية، فإن تجربته داخل البلاد نفسها كانت محدودة بزيارة كشفية واحدة خلال فترة عمله في يوفنتوس.
وإدراكاً منه لأهمية التواصل مع ثقافة كروية تعتز كثيراً بمنتخبها الوطني، ركز أنشيلوتي فوراً على الاندماج في الحياة البرازيلية. وخلال أحد اجتماعاته الأولى في مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، لاحظ أن الموظفين يحاولون التواصل معه بالإسبانية والإيطالية. وبدلاً من أن يتوقع من الآخرين التكيف معه، شدد على أن المسؤولية تقع عليه لتعلم البرتغالية.
وسرعان ما اتضحت جديته. فقد استعان أنشيلوتي بمدرس البرتغالية روبرتو بيانيتينو، والتزم بأربع حصص أسبوعياً. وأبدى بيانيتينو إعجابه بإصرار المدرب، مستذكراً مناسبات طلب فيها أنشيلوتي حصصاً إضافية في عطلات نهاية الأسبوع، بينها دروس في الصباح الباكر في فانكوفر. وأظهرت تلك الجهود مدى الجدية التي تعامل بها مع اللغة ومع دوره الجديد.
وكان التحدي الذي ينتظره كبيراً. فقد دخلت البرازيل كأس العالم وهي تسعى إلى تفادي رقم غير مرغوب فيه، بعدما فشلت في الفوز بالبطولة منذ 2002. ولم يسبق للأبطال خمس مرات أن مروا بـ6 نسخ متتالية من كأس العالم دون رفع الكأس، ما وضع ضغطاً كبيراً على مديرهم الفني الجديد منذ البداية.
مثّل تعيين أنشيلوتي خروجاً تاريخياً عن التقاليد، إذ لم يسبق للبرازيل أن أسندت منتخبها الوطني إلى مدرب أجنبي في كأس العالم. ومن غير المفاجئ أن يثير القرار جدلاً في أنحاء البلاد، بما في ذلك بين بعض أبرز نجومها السابقين.
فقد صرح كافو، الفائز بكأس العالم مرتين، علناً بأنه كان يفضل مدرباً برازيلياً، بينما انتقد الحارس السابق إيمرسون لياو تزايد عدد المدربين الأجانب العاملين في البلاد. وبرزت المسألة بشكل خاص خلال فعالية لتكريم المدربين البرازيليين، حيث استمع أنشيلوتي إلى كلمات تعارض التعيينات الأجنبية قبل أن ينال هو نفسه تكريماً.
ورغم ذلك الموقف غير المريح، تراجعت المقاومة تدريجياً. وعلى الرغم من أن مبارياته الـ11 الأولى أفرزت نتائج متباينة، بواقع 6 انتصارات وتعادلين و3 هزائم، فإن الرأي العام مال إلى صفه إلى حد كبير. وأظهر استطلاع أجرته كويست أن عدد البرازيليين الموافقين على عمله يفوق عدد المعارضين، بما يعكس تزايد الثقة في قيادته.
وشجع ذلك الدعم الاتحاد البرازيلي لكرة القدم على تمديد عقده حتى 2030 قبل أن تبدأ كأس العالم حتى. كما عكست الخطوة العلاقات الإيجابية التي بناها خلف الكواليس، إذ أشارت مصادر إلى أن أنشيلوتي أخر توقيع اتفاقه الخاص إلى أن جرى أيضاً تجديد عقود 3 موظفين في الاتحاد ساعدوه على الاستقرار في كرة القدم البرازيلية.
يرى من عملوا عن قرب مع أنشيلوتي أن قوته الكبرى تكمن في قدرته على الاندماج في بيئات مختلفة. ووصفه ليوناردو، لاعب منتخب البرازيل السابق، الذي تقاسم تجارب مع الإيطالي في ميلان وباريس سان جيرمان، بأنه شخص قادر على التكيف مع أي موقف والتواصل بصورة طبيعية مع من حوله.
وقد ساعدته تلك السمة على بناء علاقات قوية في مختلف أرجاء كرة القدم البرازيلية. فبدلاً من محاولة فرض نفسه، ركز أنشيلوتي على فهم الثقافة وكسب الاحترام من خلال أفعاله. وعزز استعداده لتعلم اللغة واحتضان العادات المحلية هذا النهج.
كما جاءت استجابة اللاعبين إيجابية. واستعاد كاسيميرو، لاعب وسط مانشستر يونايتد، لحظة لا تنسى خلال مباراة حاسمة في تصفيات كأس العالم أمام باراغواي. فمع تصاعد المشاعر في استراحة ما بين الشوطين وتنافس أصوات كثيرة على الحديث، قاطع أنشيلوتي النقاش بهدوء، وأعلن أنه سيبتعد قليلاً لتدخين سيجارة، ووعد بالعودة بعد وقت قصير.
وعندما عاد وخاطب التشكيلة، تغيرت الأجواء فوراً. وبالنسبة إلى كاسيميرو، كان ذلك مثالاً آخر على شخصية الإيطالي الفريدة وقدرته على جذب الانتباه من دون رفع صوته أو خلق توتر.
لا يزال أنشيلوتي مقتنعاً بأن البرازيل تملك الموهبة المطلوبة لتصبح بطلة للعالم من جديد. وكثيراً ما يشير إلى فينيسيوس جونيور ورافينيا باعتبارهما من أفضل اللاعبين في كرة القدم العالمية، مؤمناً بقدرتهما على صناعة الفارق في أكبر المحافل.
ويكمن التحدي في ترجمة مستواهما مع الأندية إلى نجاح دولي. وضمن طريقة أنشيلوتي الهجومية 4-2-4، لم ينجح الثنائي بعد في تقديم التأثير نفسه بشكل منتظم كما هو الحال في ريال مدريد وبرشلونة. وجعلت إصابات رودريغو وإستيفاو ويليان ذلك الانسجام أكثر أهمية قبل دخول البطولة.
وكانت هناك مؤشرات مشجعة. فقد منح فوز البرازيل العريض على بنما 6-2 جرعة من التفاؤل قبل كأس العالم، بعدما جاءت الأهداف عبر رايان، وإيغور تياغو، وفينيسيوس جونيور، وكاسيميرو، ولوكاس باكيتا، ودانيلو. وتوحي مثل هذه العروض بأن التشكيلة تملك الجودة الهجومية المطلوبة لمنافسة أفضل منتخبات العالم.
ومع ذلك، يدرك أنشيلوتي أن المهمة المقبلة ما زالت هائلة. فقد اتسمت دورة البرازيل السابقة الممتدة على 4 سنوات بعدم الاستقرار، بما في ذلك تغييرات في القيادة، وتعدد التعيينات التدريبية، وأسوأ حملة تصفيات في تاريخها. ولا يقتصر هدفه على تحسين النتائج، بل يمتد أيضاً إلى استعادة الثقة وقيادة السيليساو للعودة إلى قمة كرة القدم الدولية.
ظهر أحد الجوانب الأكثر دلالة في شخصية أنشيلوتي خلال دروسه في البرتغالية. فبينما كان بيانيتينو يحضر درساً عن أفعال الأمر، اكتشف أن المدرب لا يبدي اهتماماً يذكر بتعلم لغة تتمحور حول إصدار الأوامر.
وأوضح أنشيلوتي أن إعطاء الأوامر ليس طريقته المفضلة في التواصل. وعكس ذلك التعليق أسلوب القيادة الذي ميز مسيرته: بناء الثقة، وتشجيع الحوار، والتأثير في الناس عبر الاحترام لا السلطة.
وقد شكلت تلك الفلسفة عامه الأول مع البرازيل بالفعل. فسواء عبر تعلم لغة جديدة، أو تعزيز العلاقات داخل الاتحاد، أو كسب ثقة لاعبيه، اعتمد أنشيلوتي على الصبر والفهم بدلاً من القوة.
وبعد أكثر من 3 عقود على عمله مساعداً لمدرب إيطاليا خلال تتويج البرازيل بكأس العالم 1994 في الولايات المتحدة، يعود إلى المسرح نفسه مرتدياً الأصفر والأخضر. وهذه المرة، يتمثل هدفه في مساعدة السيليساو على استعادة أكبر جوائز كرة القدم وإنهاء انتظار امتد لأكثر من عقدين.














